محمد بن صالح الكناني

62

ذيل معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان

قال : وقال : ممّا وجدناه مقيّدا بخط الشيخ العلامة الحاج محمد المراكشي قال : كان شيخنا أبو الحسن سيدي الكراي الأصغر ، قصد زيارة القيروان في عام خمسة وخمسين وألف ، ومعه جمع وافر ، فلما بلغ إلى القيروان واجتمع بالشيخ سيدي علي الوحيشي رحمه اللّه تعالى ، وأخذ عنه طريقة القوم ، ثم إنه توجه إليه ليلة من الليالي بتلامذته ، وقصد زاويته فوجده منقبضا « 1 » في خلوته منفردا ، والباب مغلق عليه ، فلم يتجاسر أحد أن يدخل عليه لجلالة قدره ، وهيبته ، فقال الشيخ الكراي لتلامذته : ما يصلح بنا إلا أن ندخل عليه كرها . قال : فأنزلنا الباب عن محله ، ودخلنا عليه جملة فزاد انقباضه وقال لي : يا كراي ، أنت باش تصدم علي ؟ أنت باشا يا كراي ؟ قال : فأشرت إلى منشد كان معنا ، فرفع صوته بقصيدة وافتتحها في الذكر ، والحضرة ، فقام الشيخ ودخل وسط الجماعة ، وصار يذكر معنا ، وزال انقباضه ، وانبسط وطاب وقتئذ ، وعانقني وعانقته ، فكانت ليلة عظيمة لمعت فيها الأنوار ، وظهرت فيها الأسرار ، وزالت سحب الأوهام والأغيار ، وبزغت فيها شموس المعارف ، فتاهت الأفكار ، وطلعت أقمار الشّهود ، وأفلاك السّعود ، فانجلى دجى الأكدار ، ولمعت كاسات الوفاء ، بشراب كاد سنا برقه يخطف الأبصار ، فتلقتها همم السّادات ، وفازوا بشرابها ، فحصل لهم العزّ والافتخار ، ونادى لسان حالهم بعد صفاء أحوالهم ينشد ويقول : كشف الحجاب وزالت الأستار * وصفى العتاب وطابت الأسهار وأتى النسيم مبشّرا ومخبرا * جاء النّعيم وزالت الأكدار وروت حديثا عن شذاك معطرا * فصفت بلطف صفاتك الأسرار شهدت معانيك القلوب لوصفها * فتحيّرت في وصفك الأفكار وتولّهت أهل الهواء وتحيّروا * قد شاهدوك وكيف لا يحتار يا واحدا في الحسن إني واحد * في الحبّ لا عار ولا إنكار قم واسقني وحدي كئوس مدامة * كانت ولم يك في الثّرى أقمار قال : ثم أقبل الشيخ الوحيشي على الشيخ الكراي إقبالا ، فحمل له ما أسره ، وقرّت به عينه من طيب الوصال ، فتمنى أن ليله لا ينقضي ، ونادى لسان حاله يقول :

--> ( 1 ) في الأصل : منقضبا . والصواب ما أثبتناه .